المقريزي

186

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أحمد بن طولون في العمارة ، وبالغ فيها ، فعقدت معه أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار ، وجباها ابنه الأمير أبو الجيش ، خمارويه بن أحمد أربعة آلاف ألف دينار مع رخاء الأسعار أيامئذ ، فإنه ربما بيع في الأيام الطولونية القمح كل عشرة أرادب بدينار . وذكر ابن خرداذبه أن خراج مصر في أيام فرعون ، كان ستة وتسعين ألف ألف دينار ، وأن ابن الحبحاب ، وجباها ألفي ألف وسبعمائة ألف وثلاثة وعشرين ألفا وثمانمائة وتسعة وثلاثين دينارا ، وهذا وهم منه ، فإن هذا القدر هو ما حمله إلى بيت المال بدمشق بعد أعطية أهل مصر ، وكلفها قال : وحمل منها موسى بن عيسى الهاشميّ ألفي ألف ومائة ألف وثمانين ألف دينار ، يعني بعد العطاء والمؤن وسائر الكلف ، قال : وكان خراج مصر إذا بلغ النيل سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع أربعة آلاف ألف دينار ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار ، والمقبوض عن الفدّان دينارين في خلافة المأمون وغيره . وبلغ خراج مصر في أيام الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد ألفي ألف دينار سوى ضياعه التي كانت ملكا له والإخشيد أوّل من عمر الرواتب بمصر ، وكان كاتبه ، ابن كلا ، قد عمل تقديرا عجز فيه المرتب عن الارتفاع مائتي ألف دينار ، فقال له الإخشيد : كيف نعمل ؟ قال : حط من الجرايات والأرزاق فليس هؤلاء أولى من الواجب ، فقال : غدا تجيئني ، وتدبر هذا ، فلما أتاه من الغد قال له الإخشيد : قد فكرت فيما قلت فإذا أصحاب الرواتب الضعفاء ، وفيهم المستورون وأبناء النعم ، ولستت آخذ هذا النقص إلا منك ، فقال ابن كلا : سبحان اللّه ! فقال : تسبيحا ، وما زال به الإخشيد حتى أخذ خطه بالقيام بذلك ، فعوتب على ما صنعه ، فقال : يا قوم اسمعوا إيش كان يعمل ؟ جاءه أحمد بن محمد بن المارداني فقال له : ما بيني وبين السلطان معاملة ، ولا للإخشيد عليّ طريق ، وهذه هدية عشرة آلاف دينار للإخشيد وألف دينار لك ، فجاءني ، وقال لك قبل ابن المارداني مطالبة ، فقلت : لا ، فقال : هذه ألف دينار قد جاءتك على وجه الماء ، فأعطاني ألفا وأخذ عشرة آلاف دينار ، وأهدى إليّ محمد بن عليّ المارداني في وقت عشرين ألف دينار على يده فاستقللتها ، فلما اجتمعنا عاتبته فقال لي : أرسلت إليك مائة ألف دينار ولابن كلا كاتبك عشرين ألف دينار ، فأخذ المائة وأعطاني العشرين ألفا ، فذكرت قول محمد بن عليّ له ، فقال : ما أبرد هذا ! حفظت لك المائة ألف لوقت حاجتك تريدها خذها ، وأنا أعلم أنك تتلفها . وبلغت الرواتب في أيام كافور الإخشيدي ، خمسمائة ألف دينار في السنة لأرباب النعم والمستورين وأجناس الناس ليس فيهم أحد من الجيش ، ولا من الحاشية ، ولا من المتصرّفين في الأعمال ، فحسن له عليّ بن صالح الروذبادي الكاتب ، أن يوفر من مال الرواتب شيئا ينتقصه من أرزاق الناس ، فساعة جلس يعمل حكه جبينه ، فحكه بقلمه